الجمعة، 9 يوليو، 2010

مجزرة اسطول الحرية نهاية لنموذج الضفة اولا أم اعادة انتاج له؟//للكاتب الباحث والاعلامى/ الاستاذ ماجد عزام

مجزرة اسطول الحرية نهاية لنموذج الضفة اولا أم اعادة انتاج له؟

الباحث والاعلامى الاستاذ/ ماجد عزام

مدير مركز شرق المتوسط للاعلام
تطرح مجزرة اسطول الحرية التى ارتكبها جيش الاحتلال فى عمق المتوسط اسئلة وعلامات استفهام حول نموذج الضفة اولا بمعنى هل تؤدى المجزرة وتداعياتها الى التخلى عن هذا النموذج الاسرائيلى –الدولى فى التعاطى مع القضية الفلسطينية والذى كان حصار قطاع غزة جزءا جوهريا منه ام ان العكس هو ما سيحدث عبر تحديث النموذج والتفكير الجدى فى رفع الحصار او تخفيفه بشكل ملموس مع ابقاء التباعد السياسى والجغرافى الحاصل الان على حاله .
للتذكير فقد كان نموذج الضفة اولا شكلا من اشكال الهروب الجنونى والمتطرف الى الامام من قبل عصابة المحافظين الجدد فى واشنطن واستند إلى قاعدة تقول فى غياب اى امكانية لازاحة حماس عن السلطة الفلسطينية او حتى اخراجها من المشهد السياسى برمته لا باس من تسليمها السلطة بالكامل فى قطاع غزة مع فرض مقاطعة صارمة عليها وخلق نموذج اخر مزدهر فى الضفة الغربية يكون مبررا للتخلى الجماهيرى والشعبى عن حماس وطروحاتها وحتى الثورة عليها واسقاط حكومتها فى غزة تحت تاثير الحصار القاسى وتداعياته الماساوية على الناس هناك ..
لابد من الاشارة فى السياق ايضا الى التعاطى الفلسطينى الخاطىء-من مختلف اطياف الطبقة السياسية- وحتى الكارثى مع هذا المخطط الخبيث والجنونى و ادت المقاربات والقراءات الخاطئة والفئوية والساذجة احيانا الى الحرب الاهلية التى كرست الانقسام السياسى والجغرافى بين الضفة وغزة ما خلق البيئة المناسبة لتكريس نموذج الضفة اولا او الضفة المزدهرة اقتصاديا وامنيا مقابل القطاع المعدم المعتمد على المساعدات الانسانية والمحلول او المصل الغذائى الاسرائيلى الهادف الى ابقائه على قيد الحياة لا يموت ولكن لا يتعافى او يعيش بشكل طبيعى ايضا .
المخطط الذى كان امريكيا بالاساس انخرطت فيه اسرائيل بقوة خاصة بعد أسر جلعاد شاليت وانطلاق مسيرة انابوليس التى هدفت الى التوصل الى حل او اتفاق سلام نهائى مع الجزء المزدهر بينما يذوى او يستسلم الجزء الاخر الفقير والمعدم .
حرب غزة كانت محطة مهمة على طريق انفاذ او تعميم نموذج الضفة اولا وحسب مذكرات اهود اولمرت فان الهدف الاساسى للحرب كان اسقاط حماس مرة واحدة وللابد واستعادة جلعاد شاليت وتسهيل فرض الرئيس محمود عباس سلطته من جديد فى القطاع على امل التوصل الى اتفاق سلام ينهى الصراع فى فلسطين وربما المنطقة ايضا . وكما زعم احد المحللين الاسرائيليين منذ ايام-بن كسبيت معاريف 1 حزيران- فى سياق تعليقه على مجزرة اسطول الحرية -فان جبن وانهزامية اهود باراك منعا انجاز المهمة علما ان اولمرت فى مقاربته للقصة اتهم باراك ورئيس اركانه"غابى أشكنازى" بخداعه وتضخيم ارقام الضحايا الاسرائيليين والفلسطينيين وافهامه ان من الصعوبة بمكان تحقيق ذاك الهدف السياسى بالوسائل العسكرية .
فشل حرب غزة , و تعثر مساعى المصالحة الفلسطينية أكسبا نموذج الضفة اولا زخما اضافيا خاصة مع وصول باراك اوباما الى السلطة واعلانه عن تصميمه على التوصل الى اتفاق سلام نهائى فى غضون عامين ورعايته لانطلاق مفاوضات التقريب بين السلطة واسرائيل اضافة للدعم الدولى الواسع لخطة السيد سلام فياض من اجل بناء المؤسسات الفلسطينية تحسبا واستعدادا لاعلان الدولة بعد نهاية العام القادم او فى نهاية ولاية الرئيس اوباما على ابعد تقدير .
لحظت معظم الخطط والتصورات السابقة ابقاء الوضع فى غزة على حاله الحصار الصارم المتزامن مع المحلول الغذائى الاسرائيلى مع مصل اخر على الطريقة العربية عبر فتح معبر رفح على فترات ومن اجل غايات انسانية بحتة تلبى احتياجات اهل القطاع فى ادنى مستوياتها على ان تتم اعادة النظر فى الوضع ككل ولكن على وقع توقيع اتفاق سلام نهائى بين الفلسطينيين واسرائيل وابتداع حلول خلاقة من اجل ادماج قطاع غزة وربما حماس ايضا فى سيرورة والية تنفيذ هكذا اتفاق ..
مجزرة المتوسط وجهت ضربة قاصمة الى سياسة الحصار الذى انتهى من الناحية الاكلينيكية اياًً كانت المخارج التى سيتم اتباعها فتح المعابر بشكل تام او فتح خط بحرى تحت رقابة دولية او ادخال المساعدات على مختلف انواعها وخاصة تلك المتعلقة باعادة الاعمار تحت رقابة الامم المتحدة غير ان ذلك كله قد لا يعنى بالضرورة موت او نهاية نموذج الضفة اولا الذى قد يخضع للتحديث فقط بمعنى ممارسة القطاع لحياته الطبيعية والانسانية ولكن مع اخراجه من المشهد السياسى الفلسطينى –ولو الى حين- مع الحرص على استمرار التهدئة العملية -غير المعلنة-السائدة منذ انتهاء حرب غزة وانشغال او اشغال الغزاويين باعادة الاعمار و التعافى والعودة الى الحياة والتعرف الى العالم الخارجى من جديد عبر مسيرة قد تستغرق سنتين على الاقل وهى نفس المساحة الزمنية اللازمة من اجل جلاء غموض المفاوضات واتضاح مصير خطة سلام فياض لبناء المؤسسات استعدادا لاعلان الدولة فيما بعد .
طالما استمر الانقسام والتباعد السياسى والجغرافى بين الضفة الغربية وغزة فلا امل فى الاستفادة من الورطة او المازق الاسرائيلى اثر مجزرة اسطول الحرية التى وجهت ضربة قاصمة للحصار سياسيا واخلاقيا كما لجوهر نموذج الضفة اولا وحدها المصالحة الفلسطينية -على على اساس وثيقة الوفاق الوطنى – كفيلة بنهاية النموذج الخبيث بتجلياته المختلفة ومنها طبعا الحصار القاسى لغزة اذا لم تسارع الطبقة السياسية الفلسطينية نحو التوافق والتفاهم والحوار واستغلال الفرصة المؤاتية الان لنهاية الحصار والوحدة ايضا فسيتعمق الانقسام ونصبح امام سلطتين او دويلتين خاضعتين بصورة او بأخرى للاحتلال والحصار الاسرائيلى وربما لوصايات اخرى ايضا ما يعنى تصفية القضية واستنساخ النموذج القبرصى ليس بين اسرائيل وفلسطين وانما بين الفلسطينيين انفسهم.

مدير مركز شرق المتوسط للاعلام .
ماجد عزام

ليست هناك تعليقات: