الجمعة، 31 أغسطس، 2012

شهيدة فلسطين..الحكم في قضية راشيل كوري والأدلة تشير إلى التقاعس بالتحقيقات

راشيل تطلب من السائق أن يتوقف قبل دهسها بثوان

راشيل كوري. فتاة أميركية، أحبّها معظم الفلسطينيين من دون أن يعرفوها. ومع أنّهم يحبون كل ضيوفهم، لكن كوري لم تكن ضيفةً عادية، بل بطلة استثنائية.

لم تأت إلى فلسطين سائحة. جاءتها وهي في ربيع العمر مناضلة في سبيل القضية. عاشت مع أهل فلسطين لتُعاين وجعهم عن قرب قبل أن تقضي نحبها فداءهم. دافعت عن الفلسطينيين بجسدها النحيل، عارية من الأسلحة، مقاومة في سبيل عدالة القضية، فاستشهدت كما الفلسطينيون. دهسها جندي صهيوني بجرافته كي يشق طريقه لهدم البيت الذي احتضنها. داسها مرتين كي يشبع من موتها. تاريخ لن تنساه فلسطين 16 آذار 2003، تاريخ يمثّل دليلاً على همجية لا تفرّق بين فلسطيني وأجنبي

فادي أبو سعدى

القدس المحتلة | تصدر المحكمة المركزية في حيفا، اليوم، حكمها في الدعوى المدنية المقدّمة منذ عام 2005 ضدّ إسرائيل بشأن استشهاد المتضامنة مع الشعب الفلسطيني راشيل كوري قبل تسعة أعوام. الدعوة المقدّمة من أسرة راشيل، التي يمثلها المحامي حسين أبو حسين، تتهم دولة الاحتلال بالمسؤولية عن مقتل ابنتها والتقاعس عن إجراء تحقيق كامل وموثوق بشأن القضية.

وكانت راشيل، وهي مواطنة أميركية من مدينة أولمبيا في ولاية واشنطن، قد استشهدت في مدينة رفح بقطاع غزة، بينما كانت تحتج بصفة سلمية على هدم منازل مدنيين فلسطينيين، فسحقتها جرافة صهيونية من نوع «كاتربلر» طراز «D9 ــ R».

وقال والد راشيل، كريج كوري، إن «الدعوى القضائية هي خطوة صغيرة فقط في العملية التي انهمكت فيها أسرتنا للبحث عن الحقيقة والعدالة. وتؤكد الأدلة المتزايدة المقدمة للمحكمة على تعطُّل نظام المساءلة، وهو أمر تغاضت عنه سلطات الولايات المتحدة على الرغم من استنتاجها أن التحقيق الإسرائيلي العسكري لم يكن شاملاً أو موثوقاً أو شفافاً». وأضاف أن «القضية التي رفعتها العائلة مجرد خطوة صغيرة في بحث عمره 10 سنوات تقريباً عن الحقيقة والعدالة». وأكد أن الأدلة التي قُدمت أمام المحكمة تثبت أنّه لا وجود للصدقية، وأن العائلة ستفعل كل ما بوسعها للوصول إلى حقيقة ما حدث لراشيل، ومعاقبة المسؤول.

وكانت الشهادات الشفهية في القضية قد بدأت في 10 آذار 2010. وعقدت المحكمة 15 جلسة منذ ذلك الوقت أدلى بها 23 شاهداً بشهاداتهم. وقد كشفت المحكمة عن قصور خطير في التدريج القيادي العسكري في ما يتعلق بمقتل المدنيين والتدمير العشوائي لممتلكاتهم على أيدي الجيش الصهيوني في جنوب غزة.

وقال المحامي حسين أبو حسين: «لا تسعى هذه المحاكمة إلى محاسبة الأشخاص الذين أخفقوا في حماية حياة راشيل فحسب، بل أيضاً نظام التحقيقات العسكرية المعيب الذي يفتقر إلى الحياد والشمول. وثمة التزام على دولة إسرائيل بموجب القانون الدولي بأن تطبق كافة الإجراءات الاحتياطية الممكنة لتجنيب المدنيين مخاطر العمليات العسكرية. وقد انتهك الجيش الإسرائيلي هذا المبدأ انتهاكاً صارخاً عندما سبب مقتل راشيل كوري، ويجب إخضاعه للمحاسبة».

إذاً، صباح اليوم، يقرأ القاضي عوديد غيرشون حكم المحكمة، لتنفض بعدها أسرة كوري إلى عقد مؤتمر صحافي. ومن المتوقع أن تلقي المرحلة الثانية من المحاكمة المزيد من الضوء على ظروف وفاتها وعلى فشل الحكومة الاسرائيلية في إجراء تحقيق شامل يتسم بالصدقية والشفافية حول ظروف قتلها، وقدمت دولة الاحتلال ثلاث عشرة شهادة، بما في ذلك شهادة سائق الجرافة التي سحقتها والقائد الميداني المسؤول حينها، بالإضافة الى شهادة عسكريين آخرين أشرفوا على عملية هدم البيوت.

الحكم سيعيد إلى الفلسطينيين ذكرى صديقتهم راشيل، من مواليد 1979. الطالبة والناشطة الأميركية والمدافعة عن حقوق الانسان، التي كانت عضواً في حركة التضامن العالمية «ISM»، حين قررت الذهاب لقطاع غزة في فلسطين المحتلة خلال الانتفاضة الثانية.

عُرفت راشيل كوري بأنها «صديقة الأطفال». وقالت قبل استشهادها بأيام: «ثمة عدد غير محدود من الوسائل يعاني من خلالها هؤلاء الأطفال، أريد أن أدعم هؤلاء الأطفال». منذ أن وصلت إلى غزة أقامت في منزل عائلة نصر الله التي تبنّتها. لم تكن رحّالة أو مغامرة تبحث عن الإثارة، ولم تكن لديها رغبة في الموت، بل كانت هناك لأنها شعرت بأن في استطاعتها التأثير وإحداث تغيير، فشاركت في نشاطات للمساعدة في التخفيف من أوضاع الفلسطينيين المعيشية، كمساعدة المزارعين في حصد الغلال، ومرافقة الأطفال الى المدارس، وإبقاء الطرق مفتوحة أمام سيارات الإسعاف والقيام بأعمال احتجاج سلمية.

في السادس عشر من آذار 2003، وصلت قوات الاحتلال بجرافاتها، لتهدم منزل العائلة التي أقامت لديها راشيل، فهبت مباشرة لتقف في طريق الجرافة، ظناً منها أنها تستطيع منعها، لكن الجندي الإسرائيلي الذي يقود الجرافة لم يتوقف، بل صدمها عمداً ثم داسها، لتلقى مصرعها في الحال.

ملابسات مقتل راشيل ليست موضع جدل، فقد أكد شهود عيان وصحافيون أجانب كانوا يغطون عملية هدم منازل المواطنين الفلسطينيين، أن سائق الجرافة الإسرائيلية تعمد دهس راشيل والمرور على جسدها بالجرافة مرّتين أثناء محاولتها إيقافه، قبل أن يتابع تقدمه لهدم منزل مدنيين. وزعمت إسرائيل أن سائق الجرافة لم يكن في إمكانه رؤية كوري، وأنّ الناشطة تصرّفت بطريقة طائشة.

مما كتبته كوري في رسائلها إلى أصدقائها في العالم خلال وجودها في فلسطين: «اعتقد أن أي عمل اكاديمي أو اي قراءة أو اي مشاركة بمؤتمرات أو مشاهدة أفلام وثائقية أو سماع قصص وروايات، لم تكن لتسمح لي بإدراك الواقع هنا، ولا يمكن تخيل ذلك إذا لم تشاهده بنفسك، وحتى بعد ذلك تفكر طوال الوقت بما إذا كانت تجربتك تعبر عن واقع حقيقي».

وكانت راشيل قد أرسلت لوالدتها الكثير من الرسائل الإلكترونية، وقيل إن أهم ما قالت فيها: «كل ما أردته هو أن أكتب لأمي لأقول لها إني أشهد هذا التطهير العرقي المزمن وخائفة جداً، وأراجع معتقداتي الأساسية عن الطبيعة الإنسانية الخيّرة، هذا يجب أن يتوقف». وتابعت كوري: «أرى أنها فكرة جيدة أن نترك كل شيء ونكرّس حياتنا لجعل هذا يتوقف، أشعر بالرعب وعدم التصديق، وأشعر بخيبة الأمل أن يكون هذا هو أساس حقيقة عالمنا وأننا نشارك فيه بالفعل، ليس هذا أبداً ما أتيت من أجله إلى هذا العالم، ليس هذا أبداً ما أراده الناس عندما أتوا إلى هذا العالم». وختمت رسالتها: «هذا ليس العالم الذي أردت أنتِ وأبي أن آتي إليه عندما قررتما أن تنجباني، هذا ليس ما عنيتِه عندما نظرت إلى بحيرة كابيتول وقلت: هذا هو العالم الكبير وأنا آتية إليه».

الخميس، 30 أغسطس، 2012

إسرائيل مصدومة من مشاهد عملية الأســر: خفة لا تحتمل

إسرائيل مصدومة من مشاهد عملية الأســر: خفة لا تحتمل

 شريط مثير للصدمة والسخط يكشف عن «خفة لا تحتمل». أما واقعة بثّه فتكشف كم هي تصرفات الإسرائيليين قابلة للتوقع. هذا بعض من ردود الفعل الإسرائيلية على المشاهد من عملية الأسر لتموز 2006 التي بُثّت نهاية الأسبوع الماضي
  محمد بديرشُغلت إسرائيل بتحليل محتوى الشريط الذي يتضمن مشاهد من عملية أسر الجنديين الإسرائيليين في خلة وردة عام 2006، وكذلك بقراءة الدوافع التي حدت بحزب الله إلى الكشف عنه في هذا التوقيت. وعلى مدى اليومين الماضيين، حظي الشريط بتغطية خاصة في وسائل الإعلام العبرية على اختلاف أنواعها، حيث تصدى الخبراء والمعلقون للإدلاء بآرائهم التي التقت عند نقطة مشتركة هي «الخفة التي لا تحتمل» التي يكشفها الشريط في تنفيذ عملية الأسر.
ورأت صحيفة «معاريف» أن الأمر الأهم الذي يُظهره الشريط هو أن عملية الأسر تمت «من دون أي صعوبة أو مقاومة». وتحت عنوان «خفة لا تحتمل» كتبت الصحيفة أن «مخرّبي المنظمة… كانوا واثقين بأن المهمة ستستكمل، وأن أحداً لن يقدر على إزعاجهم في تنفيذها. كذلك يكشف الشريط كيف نجح المخربون في التلاعب على مدى شهور بالجيش الإسرائيلي وفي زرع كمين لجنوده تحت أنفه وفي قتل وخطف الجنود من دون أن تُرمى باتجاههم رصاصة واحدة».
وفي تحليلها لمحتوى الشريط، ركزت «معاريف» على « مهنية» المجموعة المنفذة، حيث «يمكن أن نرى أن المخربين فكروا في كل التفاصيل. على سبيل المثال يمكن تمييز أن أحدهم يحمل في يده مطفأة حمراء الهدف منها إطفاء النار التي من المحتمل أن تندلع في الهامر». تتابع الصحيفة «اللحظات التالية هي الأكثر إثارة للسخط في الشريط. فالمخربون يركضون على مهلهم باتجاه الآلية، من دون أي إزعاج، والمسافات الفاصلة بينهم شبيهة بالضبط بنظرية القتال الخاصة بالجيش الإسرائيلي، أي حوالى 4 إلى 5 أمتار بين الواحد والآخر».
وأشارت الصحيفة في السياق إلى موقف الجيش من نشر الشريط، حيث قالت إن الاعتقاد السائد في أوساطه هو أن النشر ردّ على «حملة لبنان» التي يديرها الجيش في الفترة الأخيرة، والتي يوجه فيها كبار الجنرالات رسائل حادة إلى حزب الله.
وفي الصحيفة نفسها انتقدت ليلاخ سيغن نقل وسائل الإعلام الإسرائيلية لمشاهد العملية، داعية إلى «أن نحاول لمرة واحدة أن نتصرف بشكل أقل توقعاً». ورأت الكاتبة أن «الأمر الأكثر إذلالاً الذي يفعله لنا حزب الله في كل مرة هو الضغط على زر محدد وهو يتوقع بالضبط ردّ فعلنا. وهكذا عندما كشفوا عن الشريط الذي يوثق عملية الخطف رددنا مثلما توقعوا بالضبط: تسجيله في كل وسائل الإعلام والقيام ببثّ متكرر لصدمة وطنية عميقة صنعتها أيديهم».
من جهتها، رأت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أنه رغم أن «الحقائق معروفة… إلا أنها عندما تتحول إلى صور محسوسة على الشاشة تصبح عصية على الفهم». ونقلت الصحيفة عن تومر فاينبرغ، أحد الجنود الذين كانوا في الهامر الذي استُهدف بعملية الخطف وأصيب بجراح بالغة، قوله «إن الشريط أعادني ستة أعوام إلى الوراء… كل شيء: إطلاق النار، الإصابات، كل شيء كما أذكره… إلا أن ما فاجأني في الشريط هو عدد الذين دخلوا… لقد سمعتهم يتحدثون، وسمعت صوت الأرجل، إلا أني لم أتمكن من رؤية شيء».
وتحت عنوان «الألم والإحباط » كتب محلل الشؤون العسكرية في صحيفة «إسرائيل اليوم» يوآف ليمور أن «مشاهدة شريط عملية الخطف غير سهلة، رغم أنه لا يحتوي على مشاهد دموية أو فظاعات. الدقيقتان ونيف تكفي لإعادة تعويم كل مشاعر الغضب والإحباط لدى كل من يعرف التفاصيل المتصلة بما حدث في 12 تموز 2006 في النقطة 105».
وإذ رأى أن توقف الشريط عند مشهد البدء بسحب الجنود من الهامر يُبقي السؤال مفتوحاً بشأن مصير الجنود عند عملية الخطف، رأى الكاتب أن السؤال الآخر الذي بقي مفتوحاً يتعلق بقرار حزب الله نشر الشريط في هذا الوقت. وربط ليمور بين ذلك وبين التحذيرات الإسرائيلية لحزب الله في أعقاب التفجير الذي أودى بحياة خمسة إسرائيليين في بلغاريا، مشيراً إلى أن «حزب الله يذكّر ( من خلال الشريط) بما هو قادر على القيام به» رداً على هذه التحذيرات.
وشدد ليمور على ضرورة الاتعاظ بهذه العبرة «من أجل تشديد اليقظة التي كانت مفقودة عام 2006، وللتذكير بأنه رغم موازين القوى الواضحة، لجهة تفوّق إسرائيل، فإن حزب الله يمتلك قدرة ليست قليلة على التسديد والإيذاء بشكل موضعي من خلال عملية خطف، وكذلك من خلال عملية أوسع بكثير».
وفي «هآرتس»، كتب مراسل الشؤون العسكرية، عاموس هارئيل، يقول إن الشريط يثير القشعريرة لدى كل من كان موجوداً في ذلك المكان في الصيف البائس لعام 2006. ورأى هارئيل أن توقيت نشر الشريط يرتبط بالوضع الداخلي المأزوم لحزب الله في لبنان، مشيراً إلى أن مضمونه يفضي إلى جملة خلاصات على رأسها «الخفة التي لا تُحتمل لعملية الخطف»، مشدداً على أن «العبرة الكامنة في ذلك للفترة الراهنة» هي أنه «سيكون خطأً شديداً العودة إلى الاستخفاف بما حزب الله قادر على تنفيذه إذا ما اتخذ القرار في طهران أو بيروت. ففي 2006 فوجئنا بعملية الخطف، باستهداف البارجة حانيت، بمعارك بنت جبيل وبحجم النيران على الجبهة الداخلية، وإذا تطورت الأمور باتجاه جولة جديدة في المستقبل، فيجب أن نأخذ في الاعتبار أن الجيش الإسرائيلي ليس وحده من تدرب وتحسن في أعوام الهدوء، بل حزب الله كذلك».